5 رجب 1438 12:57







والدي رحمه الله تعالى ..


من المواقف التي لا أنساها، ولا يمكن أن أنساها، موقف حصل لي في أحد مستشفياتنا ..
حادثة وفاة والدي رحمه الله في عام 1431 ..
توجهت للمستشفى الساعة الرابعة عصراً وبصحبتي والدي الذي كان يعاني من ألم شديد في البطن ..

في قسم الطواريء تم الكشف الموضعي فقط بدون عمل إشاعة أو تنويم للاطمئنان على حالته ..
تم تزويدنا بمسكنات لتخفيف الألم وخرجنا من المستشفى ..

في الساعة الحادية عشر ليلاً تلقيت اتصال من أحد أصدقاء الوالد ( حمد ) وكان يقول لي :
كنت عند والدك وزاد عليه الألم فذهبت به إلى المستشفى ..
تعاااال يا يحيى ..
تعااااال يا يحيى بسرعة ..
تعاااااااااااااااااااااااااااال ..
أحسست من نغمة كلامه أن الأمر جلل ..
لا أتذكر كيف استطعت قيادة سيارتي إلى المستشفى ..
كان الطريق في ذلك اليوم كالحلم وبمعنى أدق كان كالكابوس ..
وصلت إلى المستشفى وأنا أرى حالة والدي في تردي والكل يفزع بما يستطيع لإنقاذه ..

تمكن المرض من والدي فبدأت أرى الدم يخرج من فمه وأنا في حالة يرثى لها، فقد كان الممرضون يحاولون اخفاء هذه الدماء عن نظري ما استطاعوا ..

كنت مصدوماً .. لم أجادلهم أو أعاتبهم وقتها في عدم الكشف عليه عندما أتيت به عصراً، كنت فقط أتمنى أن يساعدوه في تجاوز الأزمة، وكلي أمل فيهم بعد أملي في رحمة الله تعالى ..

تم نقله مباشرة لغرفة غير مسموح لنا بدخولها ( العناية القلبية على ما أعتقد أو غرفة العمليات ) ..

حضرت أختي الصغرى للمستشفى وقتها ..
طمنتها وأنا كلي ألم .. لا تقلقي يا حبيبتي .. لا تقلقي ..
لا أعلم كيف استطعت أن أكذب عليها ..
كنت أقول في نفسي : لماذا لم أذهب به لمستشفى آخر لأطمئن عليه ؟!
كنت لا أمتلك أجوبة على أسئلتي .. كنت أحس بالذنب ..
كانت اختي بالكاد تستطيع أن تقف على قدميها .. وأنا كذلك ..
أتذكر أن زوج أختي ( علي ) قام بإحضار كرسي متحرك لأختي ..
لا أستطيع نسيان هذا الموقف ..

في ساعات الفجر الأولى تلقينا خبر وفاته ..
تلقيت الخبر من زوج اختي وأنا أقف على باب غرفة العمليات ..
لا أعلم كيف استطاع الدخول وأنا لم أستطع ..
ذهبت مباشرة لغرفة مجاورة .. أعتقد أنها غرفة أحد الأطباء ..
جلست وحدي وبدأت أجهش بالبكاء ..
لا أريد لأحد أن يرى حالتي المزرية ..
كنت أريد أن أُفرغ كل ما في قلبي في هذه الغرفة ..
كنت أنتظر أن تجف دموعي لأخرج لأختي وأواسيها ..
لم أتنبه أن هناك أحد بهذه الغرفة ..
إلا وأحدهم يضمني ويقول لي ( اذكر الله ) ..
يحيى اذكر الله يا يحيى اذكر الله ..
فأقول له : ابتعد عني ..
فيقول لي : يحيى أنا عبد الله .. اذكر الله ..
رفعت رأسي وإذا به أحد الأصدقاء ..
قلت له : يا عبد الله والدي مات .. أنا السبب !!
فبدأ يجهش بالبكاء معي حتى مللنا البكاء ..
كنت أسمع صرخات أختي في غرفة مجاورة ..
فعرفت أن الخبر وصل إليها ..
كنت أزداد ألم .. لا أعلم ماذا أفعل ..
منذ هذه الحادثة لا أتذكر ما حدث .. لا أتذكر شيء ..
أحلف لكم بالله لا أتذكر شيء ..
لا أتذكر وقوفي على قبر والدي ..
لا أتذكر العزاء في ذلك الوقت ..
لا أتذكر من عزى ومن واسى ..
كنت كجسد يمشي بلا روح ..
كنت حي وميت في نفس الوقت ..
لا أتذكر شيء ..
وكأن ذاكرتي في ذلك الوقت لا تسجل شيئا ..
رحمك الله يا والدي وأسكنك فسيح جناته وجمعنا بك في الفردوس الأعلى من الجنة ..

همسة :
إهمال المستشفى وطاقمه من أطباء وممرضين ليس كإهمال أي دائرة حكومية ففيكم تتعلق أرواح البشر بعد الله .. فاجتهدوا واعملوا ولا يمكن أن نتقبل أي تقصير .. لا عُذر لإهمالكم ..



يحيى الوهيد

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 145


خدمات المحتوى


يحيى الوهيد
يحيى الوهيد

تقييم
0.00/10 (0 صوت)