20 صفر 1440 02:01



( و لا تمدنَّ عينيك )

يبلغ المرء ما يبلغ في حياته ، و يتقلب في أحوال الدنيا بين حاجة و غنىً ، و شقاء و راحة ... و تظل روحه هي هي في كل الأحوال متى ما عمرتها السكينة و استقرت القناعة سويداء قلبه .

و يكفي أن تتأمل حال كل حاسد أو طامع ، لتدرك كيف يشقي الإنسان ذاته بما لا قِبل له فيه ، و ذلك حين يطلق بصره هنا و هناك ، و يشنف سمعه يمنةً و يسرة ، ليحظى بمعرفة مالدى جاره أو ما فاز به زميل عمله ، أو أخيه أو قريبه ، فذاك اشترى سيارة على أحدث طراز ، و رفيقه اعتلى منصبا مرموقا ... و الآخر وُفِق بمصاهرة أسرة باذخة الثراء ، و أخاه قد ربح في بضاعته الكثير ، وإن تأملت عالم النساء فستجد في بعضهن من ذلك الطبع العجب العجاب ، فتلك محضية عند زوجها ، لذلك يكثر من هداياه لها ، و هذه زميلتها التي لا تكاد تحط رحالها من رحلة حتى تغادر لأخرى ، و جارتها تقتني من الساعات ما تحب و ابنة عمها دوما تسبقها في شراء أحدث إصدار من المحمول المفضل لديها ... والقائمة تطول للأسف .

و المتأمل لحال هذه الفئة من الناس يجدهم في تذمر مستمر ، و سباق محموم مع الغير لمنافستهم على منصب أو جاه أو رحلات سفر أو باقتناء الأحدث و الأعلى سعرًا ، لا لمتعة بالشيء ذاته ؛ بل حتى لا يصبحوا أقل من الآخرين ، و في خضم هذه المنافسة غير الشريفة تجدهم يفقدون أشياء جميلة أولها صحتهم النفسية ثم الرضا بالموجود و الانشغال بالمفقود و تحته يأتي ضياع المال و الأوقات و قبلها كلها كفران بنعم الله تعالى .
و لربما أن أجهزة الجوال الذكية ببرامج التواصل الاجتماعية فيها قد أذكت نار هذا الجشع المجتمعي ، و ساهمت في انتشار المقارنات بيننا كانتشار النار في الهشيم ، و أصبح ( هل فلان أو أبناء علان أفضل منّا ؟! ) شعار لبعض الآباء و الأمهات للأسف مما أوجد أجيالًا هشةً سطحية تهتم لسفاسف الأمور فتقيّم الآخرين بموازين مادية بحتة .

لذلك نجد أن في إطلاق النظر لما في أيدي الناس عواقب وخيمة على صاحبه ، تجعله يضيق بحاله ، و لا يشكر ربه ثم شركاء حياته مهما أُتخم بالنعم ،

شعاره في ذلك ( هل من مزيد ) ، فحتامَ نغفل عن ذلك ؟

ومتى يتنبه الوالدان و المربون إلى أهمية غرس الرضا و القناعة في نفوس الناشئة ؟

و ذلك بإرشادهم إلى أن قيمة المرء بما يجيده بيد و يحققه بكده و جهده ، و بأن قدره ألا يقارن نفسه بالغير ، و أن السكينة و الراحة ستجد سبيلها إلى قلبه متى ما عمره بالإيمان وغض البصر عما في أيدي الناس وبالتالي الاستمتاع بما لديه من إمكانات مع العمل الجاد في سبيل تحقيق ما يتمناه ، دون التبرم أو القنوط إن لم يحصّل ما يريد ، كما يجب أن يكون ممتنا لكل شيء جميل في حياته .

نورة سليمان الدامغ

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 379


خدمات المحتوى


نورة سليمان الدامغ
نورة سليمان الدامغ

تقييم
10.00/10 (1 صوت)