8 ربيع الأول 1440 08:52





كسر القلوب .


لسان الإنسان من أدق الأعضاء فيه ، و من أكثرها خفةً و رشاقة ، ومع ذلك فهو أشدها أثرًا و أمضاها وقْعًا ؛ إذ به يمد الجسور يعبرها لقلوب الآخرين ، و به أيضًا يقوض صرح علاقاته بهم ، فيدكّ القلب و يحيله أشلاء و به يدمر هذه الجسور بل ويحيلها أسوارًا شائكة تحول بينه و بينهم .

بهذا اللسان يؤلف المرء القلوب و يجمع الأشتات و يصلح ما تهتك من وشائج و يعيد المياه إلى مجاريها ، ويعلي الهمم و يشجع الموهوب ، و بذات العضو أيضًا يفرق الجموع و يشعل فتيل الحروب و يحطم كل طموح و يفرق الأمم و الشعوب .

و من أشد آفاته أن يسخره صاحبه للسخرية من الغير ، و لإحباط ذوي العزم و النبوغ ، أو يسلطه على من حوله من أهل وصحبة بالغيبة و النميمة ، و سباب هذا وذاك ، ولمز فلان و علان بنسبه أو حسبه أو أصله ، فيرمي بالكلام جزافًا دون إحساس أو تروٍ ، ودون أن يثمن وقْع كلماته عليهم ، ناسيًا أو جاهلا أن كل كسر قد يجبر و يندمل إلا كسر القلوب ، فجرحها أبدًا لا يبرأ و إن حدث ذلك ، يظل أثرها ندوبا على جدرانه تذكره ليل نهار بألمها و شدة وجعها .

وما أكثر دلالة على أن سوء الكلام أشد وقعًا على النفس من ضرب الحسام إلا قول الله تعالى مخاطبًا نبيه الكريم (( وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ )) ٩٧ - الحجر
للكلمة أثرها على النفس عظيم ، وقد ننسى موقفا عصيبا مررنا به ، لكننا لا ننسى كلمة حطت من قدرنا ، أو فريةً رمينا بها كذبا و ظلما ، وكما أننا لا ننسى جرح من أهاننا بكلمة أو إشارة فنحن نظل ندين لمن أهدانا كلمة حلوة أشرقت بها لحظتنا معه ، و نظل نمتن لمن وجدنا منه التفهم و الاحتواء ، فبنى له مكانًا جميلا داخلنا ، و خلّف أثرًا طيبًا فينا .

لذا - عزيزي القارئ - لنجرب أن نتذوق كلماتنا قبل أن ننطقها و نتأمل أحكامنا قبل أن نطلقها ، و لنضع دومًا أنفسنا مكان الغير، حتى نشعر بهم و نتفهم مشاعرهم ، فمالا نرضاه لأنفسنا لن نرضاه لهم .
و لنكن ممن يعمر القلوب بالحب لا ممن يدمرها أو يكسرها .


نورة سليمان الدامغ

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 923


خدمات المحتوى


نورة سليمان الدامغ
نورة سليمان الدامغ

تقييم
10.00/10 (3 صوت)