27 ربيع الأول 1440 03:01



‏العمر تجربة .


نخرج من بطون أمهاتنا و نحن لا نعلم شيئًا سوى فطرة جُبلنا عليها ، ثم نشب عن الطوق على ما علمنا إياه والدانا ، و بعدها نخرج للحياة بكل ما فينا من قدرات و معلومات و سلوك اكتسبناها .

و تمضي بنا الحياة ، و تنصرم السنون ، وإذا بأفراد البيت الواحد يتباينون ، و إذا الأقران يختلفون في كل شيء ، ليس بأشكالهم و ملامحهم و مستواهم المادي و الثقافي فحسب ، بل حتى في تعاطيهم مع المواقف و تعاملهم مع من حولهم .

نعم نحن كلنا نكبر - ياسادة - و قد نشيخ ، و لكن القليل من يعي دروس الحياة ، و النادر من ينضج بحق ليعيش و يمارس حياته بما تستحقه هذه الحياة و بما يستحقه هو .
ولم يكن سنُّ الإنسان سوى رقمٍ فحسب ، أما عمره الحقيقي فيقاس بالتجارب التي مرْ بها و بالصعاب التي تحدته و تجاوزها و بالسنون العجاف التي جالدها ، و مدى تأثره بها ، و الكم الهائل من الدروس التي تعلمها منها ؛ فكم من مسن لم يكبر فيه سوى جسده و شرهه لملذات الحياة و كبر معه حبه لنفسه ، وكم من شاب سبقه عقله في النمو و أنضجه لهيب الشدائد ، فأخرجت أحسن مافيه ، و أهدته تلك المحن التي تقلب فيها منحًا ربانية جعلته يدرك سرّ الحياة ، فيفهم ما يحتاجه ليعيش حياةً كريمة .

تجد ثلة من البشر قد تعرضوا لذات الظروف المؤلمة و لأقسى المتاعب ، ولكنهم يتمايزون بطريقة تكيفهم معها و سلوكهم إزاءها ، منهم من يتعلم كيف يكتفي بنفسه عن غيره فيجاهد في إصلاح ذاته و يحسّن من واقعه بشجاعة و بسالة و يسلك الطريق الأسلم مع الغير فيضع لهم الحدود التي لا يتجاوزونها معه احتراما و قدرا ، و على الظفة الأخرى تجد البعض الآخر و قد انكفأ على نفسه و انعزل عن الحياة بكل ما فيها جبنًا و خورا من مواجهتها ، وكأنه بذلك يحمي نفسه وما درى أنه يقتلها و يميتها و هي حية بإضعافه لها ، و استجدائه الشفقة و العطف عليها ممن حوله ، و ما درى أنه بقدر ما يفعل ذلك بقدر ما يقلل من قدره لديهم و بالتالي يهين ذاته في الوقت ذاته .

الإنسان مهما بدا في مظهره أو قلة حظه أو علو منزلته أو صغره أو كبره ، فلن تراه عاقلا متعقلا ناضجًا حتى تجده يعرف كيف يتخطى شظف العيش و يتجاوز حماقة بعض البشر ، و كيف يسيطر على مشاعره في الفرح و الحزن و الغضب ، فيسيرها حسبما يريد لا كما تريد هي ، الإنسان مهما بلغ من مبلغ لابد أن يستوعب ما تحاول حياته أن تفهمه إياه ، حتى لا تضطر لإعادة الدرس معه ولكن بشكل أقوى و أقسى !

لا تتسرع في الحكم على الغير حتى تختبر صبره و سعة صدره في منعطفات الحياة و التصرف الصحيح مع البشر ، ليتضح لك بعدها أن العمر المسجل في هوياتنا مجرد رقم و أن العمر الحقيقي هو رصيدنا في سجلات الخبرة و التطبيق الأفضل لتلك الخبرات على أرض الواقع .


نورة سليمان الدامغ

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 367


خدمات المحتوى


نورة سليمان الدامغ
نورة سليمان الدامغ

تقييم
9.00/10 (3 صوت)